الشيخ محمد هادي معرفة

149

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وقال مقاتل ووهب : « وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ » : كنقش الخاتم . وقال الربيع بن أنس : نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير ، يُقرأ الجزء منه في سنة ، لم يقرأها إلّا أربعة نفر : موسى ، ويوشع ، وعزير ، وعيسى . فكلّ هذه الروايات المتضاربة التي يردّ بعضها بعضا ممّا نحيل أن يكون مرجعها المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم وإنّما هي من إسرائيليّات بني إسرائيل ، حملها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نيّة ، وليس تفسير الآية متوقّفا على كلّ هذا الذي رووه . ومن ذلك : ما يذكره بعض المفسّرين في قوله تعالى : « مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ » ، فقد جعلوا التوراة مشتملة على كلّ ما كان وكلّ ما يكون ، وهذا ممّا لا يعقل ، ولا يصدّق ، فمن ذلك : ما ذكره الآلوسيّ في تفسيره ، قال : وما أخرجه الطبرانيّ ، والبيهقيّ في الدلائل عن محمّد بن يزيد الثقفيّ ، قال : اصطحب قيس بن خرشة ، وكعب الأحبار حتّى إذا بلغا صفّين ، وقف كعب ، ثمّ نظر ساعة ، ثمّ قال : ليهراقنّ بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله . فقال قيس : ما يدريك ؟ فإنّ هذا من الغيب الذي استأثر اللّه تعالى به ؟ ! . فقال كعب : ما من الأرض شبر إلّا مكتوب في التوراة التي أنزل اللّه تعالى على موسى ، ما يكون عليه ، وما يخرج منه إلى يوم القيامة ! ! . وهو من المبالغات التي رُوي أمثالها عن كعب ولا نصدّق ذلك ، ولعلّها من الكذب الذي لاحظه عليه معاوية بن أبي سفيان على ما أسلفنا سابقا ، ولا يعقل قطّ أن يكون في التوراة كلّ أحداث الدنيا إلى يوم القيامة . والمحقّقون من المفسّرين سلفا وخلفا ، على أنّ المراد أنّ فيها تفصيلًا لكلّ شيء ، ممّا يحتاجون إليه في الحلال والحرام ، والمحاسن والقبائح ممّا يلائم شريعة موسى وعصره ، إلّا فقد جاء القرآن الكريم بأحكام وآداب ، وأخلاق ، لا توجد في التوراة قطّ . وقد ساق الآلوسيّ هذا الخبر ، للاستدلال به لمن يقول : إنّ كلّ شيء عامّ ، وكأنّه استشعر بُعدَه ، فقال عقبه : « ولعلّ ذكر ذلك من باب الرمز ، كما ندّعيه في